الشيخ عبد الله المامقاني ( العلامة الثاني )

تنقيح المقال 292

تنقيح المقال في علم الرجال ( ط . ق )

الرّضا ( ع ) يقول انّ العبّاسى زنديق وكان أبوه زنديقا ومنها ما رواه الكشي أيضا عن محمّد بن مسعود قال حدّثنى علىّ بن محمّد قال حدّثنى محمّد بن أحمد عن يعقوب بن يزيد عن رجل من أصحابنا عن صفوان بن يحيى وابن سنان انّهما سمعا أبا الحسن ( ع ) يقول لعن اللّه العبّاسى فانّه زنديق وصاحبه يونس فانّهما يقولان بالحسن والحسين بيان هذا التّعليل الذي في الذّيل ربما يستنكر في بدو النّظر لانّه كيف يمكن تعليل زندقتهما بالقول بالحسن والحسين لكنه عند التدبّر ليس بمستنكر وغرضه واللّه العالم انّهما ليسا بعاميين حتّى يعذرا في انكار باقي الائمّة عليهم السّلم بل هما قالا بامامة الحسن والحسين وانكرا من بعدهما فهما قد عرفا الحق وانكراه فهما أشد ممّن لم يعرف الحقّ من أصله ويرشد إلى ما ذكرنا ما يظهر من الأخبار من كون القائل ببعض الائمّة ( ع ) بعد أمير المؤمنين ( ع ) وانكر بعضا اشدّ بمراتب ممّن لم يقل بالإمامة أصلا وزعم خلافة أبى بكر وعمر والعجب من ابقاء الوحيد ره ذلك على ظاهره وجعله شاهد اللتقيّة كما سيأتي كلامه ومنها ما رواه هو ره عن محمّد بن مسعود قال حدّثنى احمد عن أبي طالب قال حدّثنى العبّاسى أنه قال للرّضا ( ع ) لم لا تدخل فيما سألك أمير المؤمنين قال فقال وأنت أيضا علىّ يا عبّاسى فقال نعم ولتجيبه إلى ما سألك أو لاعطينّك القاضية يعنى السّيف وفي الأخبار المذكورة دلالة صريحة على ذمّ الرّجل وسقوطه عن درجة الاعتبار ثمّ لا يخفى عليك انّ تعبير العلّامة وابن داود لم يقع على ما ينبغي لانّ ظاهر ما ساقاه من العبارة يوهم انّ الرّجل فاسد المذهب ثقة لأنه مقتضى كون الطّعن في مذهبه دون ثقته ونفسه والحال انّه لا يعقل وثاقة من ذمّته الأخبار المزبورة تلك للذمّة ولا يخفى انّ سوق العبارتين ليس لبيان توثيقه بل لابداء امر لا ينفع معه كلّ توثيق وهو فساد المذهب بالزّندقة وعلى هذا يكون عرضهما انّ الطّعن فيه ليس في نفسه أو ثقته ليعدّ اماميّا فاسقا بل الطّعن في اسلامه لانّ الزنديق لغة لا يكون مسلما كما ستعرفه ويحتمل ان يكون غرضهما الإشارة إلى عدم منافاة هذه الأخبار لما يأتي نقله في إبراهيم المشرقي الآتي من توثيق حمدويه ايّاه بعد زعمهما اتحاد هذا مع ذاك ولكن فيه اوّلا ما يأتي من تحقيق تعدّدهما وثانيا انّ التّعارض بين هذه الأخبار وبين الوثوق واضح فان زندقته التي نطقت بها الأخبار تمنع من الوثوق به ثمّ انّ استفادة الطّعن في مذهبه من هذه الأخبار انّما هي باعتبار اطلاق ( ع ) امام عليه الزنديق فانّ المشهور عند النّاس انّ الزّنديق هو الّذى لا يتمسّك بشريعة ويقول بدوام الدّهر والعرب تعبّر عنه بقولهم ملحد قاله في مجمع البحرين ثمّ قال وفي الحديث الزنادقة هم الدّهريّة الّذين يقولون لا ربّ ولا جنّة ولا نار وما يهلكنا الّا الدّهر وفي المجمع الزنادقة قوم من المجوس يقال لهم الثنوية يقولون النّور مبدء الخيرات والظّلمة مبدء الشّرور قيل مأخوذ من الزّند وهو كتاب الفهلويّة كان لزرادشت المجوس ثمّ استعمل في كلّ ملحد في الدّين وقيل هم قوم من السّبائيّة أصحاب عبد اللّه بن سبا اظهر الإسلام ابتغاء الفتنة وتضليلا للاسلام فسعى اوّلا بإثارة الفتنة على عثمان ثم انطوى إلى الشّيعة واخذ في تضليل جهّالهم حتّى اعتقدوا في علي الرّبوبيّة فاستتابهم علي ( ع ) فلم يتوبوا فاحرقهم مبالغة في النّكاية وفي مفاتيح العلوم الزّنادقة هم المانويّة وكانت المزدكيّة يسمّون بذلك وكان مزدك هو الّذى ظهر في ايّام قباذ وزعم انّ الأموال والحرم مشتركة واظهر كتابا سمّاه زندا وهو كتاب المجوس الّذى جاء به زردشت الّذى يزعمون انّه نبي ونسب أصحاب مزدك إلى زندا فأعربت الكلمة فقيل زنديق والجمع زنادقة والهاء عوض من الياء المحذوفة وأصله الزناديق والاسم الزّندقة عرب من الزّند وهو اسم كتاب وفي القاموس زنديق معرب زن‌ديق اى دين المرأة وفي الحديث انى أصبت قوما من المسلمين زنادقة قيل تسميتهم مسلمين باعتبار ما كانوا عليه والّا فليسوا بمسلمين عند الكلّ إلى هنا كلام الشيخ الطّريحى في مجمع البحرين نقلناه بطوله لاستيفائه الكلام وفي منظومة السّبزوارى في الحكمة الإلهيّة انّ الفهلويّين طائفة من الحكماء يسكنون جبال الدّيلم وعن اللّسان انّ الزّنديق هو القائل ببقاء الدّهر فارسىّ معرب وهو بالفارسيّة زنده‌كراى يقول بدوام بقاء الدّهر انتهى وقال محبّ الدين بعد نقله والصّواب انّ الزّنديق نسبة إلى الزّند وهو كتاب مانى المجوسي الّذى كان في زمن بهرام بن هرمز بن سابور ويدعى متابعة المسيح ( ع ) وأراد الصّيت فوضع هذا الكتاب وخبأه في شجرة ثمّ استخرجه والزّند بلغتهم التّفسير يعنى هذا تفسير كتاب زرادشت الفارسي واعتقد فيه الإلهين النّور والظّلمة النّور يخلق الخير والظّلمة يخلق الشرّ وحرم اتيان النّساء لانّ أصل الشّهوة من الشّيطان ولا يتولّد من الشهوة الّا الخبيث وأباح اللّواط لانقطاع النّسل وحرّم ذبح الحيوانات وإذا ماتت حلّ اكلها وكان قد بقيت طائفة بنواحي الترك والصّين وأطراف العراق وكرمان إلى ايّام الرّشيد فاحرق كتابه وقلنسوة كانت له معهم وأكثر القتل فيهم وانقطع اثرهم والحمد للّه انتهى وأقول انّما أطلنا الكلام في ذلك تنبيها على منشأ بعض ما شاع الآن وتلويحا إلى منشأ انتزاع بعض الألقاب وممّا يدل على زندقة العبّاسى هذا مضافا إلى ما مرّ من شهادة الإمام ( ع ) بها ما رواه الكشي في وجه تسميته بالعبّاسى بقوله قال أبو النّضر سألنا الحسين بن اشكيب عن العبّاسى هاشم بن إبراهيم وقلنا له أكان من ولد العبّاس قال لا كان من الشّيعة فطلبه فكتب كتب الزيدية وكتب آيات امامة العبّاس ثمّ دسّ إلى معمريه واختفى واطلع السّلطان على كتبه فقال هذا عبّاسى انتهى فانّ هذا كالصّريح في انّه ليس بملتزم بمذهب الشّيعة والّا لما كتب كتب الزّيديّة ولما كتب آيات امامة العبّاس ولا بمذهب العبّاسيّة ولمّا قال بالحسن والحسين وهذا التقلب المذهبى لا يكون الّا ممّن لا مذهب له 12845 هاشم بن القاسم كان من الزّيديّة شهد باخمرى مع إبراهيم بن عبد اللّه بن الحسن وحاله مجهول 12846 هشام بن إبراهيم الراشدى الهمداني العبّاسى قد تضمّن حاله ما في عيون الأخبار والتوحيد لابن بابويه من انّه كان هشام ابن إبراهيم الراشدى الهمداني من اخصّ النّاس عند الرّضا ( ع ) من قبل ان يحمل وكان عالما أديبا لبيبا وكانت أمور الرّضا ( ع ) تجرى من عنده وعلى يده وتصير الأموال من النّواحى كلّها اليه قبل حمل أبى الحسن ( ع ) فلمّا حمل أبو الحسن ( ع ) اتّصل هشام بن إبراهيم بذى الرّياستين فقرّبه ذو الرّياستين وأدناه وكان ينقل اخبار الرّضا ( ع ) إلى ذي الرّياستين والمأمون فحظى بذلك عندهما وكان لا يخفى عليهما من اخباره شيئا فولّاه المأمون حجابة الرّضا ( ع ) فكان لا يصل إلى الرّضا من أحب وضيّق على الرّضا ( ع ) فكان من يقصده من مواليه لا يصل اليه وكان لا يتكلّم الرّضا ( ع ) في داره بشئ الّا أوصله هشام إلى المأمون وذي الرّياستين وجعل المأمون العباس ابنه في حجر هشام وقال ادّبه فسمّى هشام العبّاسى لذلك قال واظهر ذو الرّياستين عداوة شديدة لأبي الحسن ( ع ) وحسده على ما كان المأمون يفعله به وروى انّه قصد الفضل بن سهل مع هشام بن إبراهيم الرّضا ( ع ) فقال له يا بن رسول اللّه ( ص ) جئتك في سرّ فأخل لي المجلس فأخرج الفضل مكتوبة بالعتق والطّلاق وما لا كفّارة له وقالا له انّما جئناك لتقول كلمة حقّ وصدق وقد علمنا انّ الإمرة أمرتكم والحق حقكم يا بن رسول اللّه ( ص ) والّذى نقوله بألسنتنا عليه ضمائرنا والّا فعتق ما نملك والنّساء طوالق وعلى ثلثين حجّة رجلانا على أن نقتل المأمون ويخلص لك الأمر حتّى يرجع الحق إلى أهله فلم يسمع منهما وشتمهما ولعنهما وقال لهما كفرتما النّعمة فلا يكون لكما سلامة ولا لي ان رضيت بما قلتما فلمّا سمع الفضل ذلك منه مع هشام علم أنهما اخطائا فقصد المأمون بعد ذلك ان قالا للرضا ( ع ) أردنا بما فعلنا ان نجرّبك فقال لهما الرّضا ( ع ) كذبتما فانّ قلوبكما على ما اخبرتمانى الّا انكما لم تجدانى كما اردتما فلمّا دخلا على المأمون قالا يا أمير المؤمنين انا قصدنا الرّضا ( ع ) وجرّبنا وأردنا ان نقف على ما يضمره لك فقلنا وقال المأمون وفقتما [ وقفتما ] فلمّا خرجا من عند المأمون قصده الرّضا ( ع ) واخليا المجلس واعلمه ما قالا وامره ان يحفظ بنفسه منهما فلما سمع ذلك من الرّضا ( ع ) علم انّ الرّضا ( ع ) هو الصّادق إلى غير ذلك من الأخبار ومجرّد اتّحاده مع سابقه في لقب العبّاسى لا يستلزم اتّحادهما بعد كون منشأ اطلاق العبّاسى على ذلك بسبب زعم